الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

317

الأخلاق في القرآن

النبي عليه السلام ، وأصحابه المخلصين ، وأنّهم اسوةٌ حسنةٌ للمؤمنين ، الذين يتحرّكون من موقع الرسالة : « قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ » . الأسوة « على وزن لُقمة » ، تحمل مَعْناً مصدرياً ، بمعنى التّأسي والاتّباع للآخرين ، وبمعنى آخر هو الاقتداء بالآخرين . ومن البديهي أنّ هذا الأمر ، يمكن أن يكون على مُستوى الفضيلة أو الرّذيلة ، ولذلك فإنّ الآية الشّريفة ، عبّرت عن إبراهيم عليه السلام بأنّه قدوةٌ حسنةٌ ، لأنّه قطع كلّ أواصر المحبة ووشائج الموّدة ، التي كانت بينه وبين قومه ، في سبيل عقيدته وتوحيده للَّه تعالى . يقول « الرّاغب » في « مفرداته » ، إنّ كلمة « الأسى » على وَزن ( عَصا ) ، وهي بمعنى الغمّ والألم ، فكلمة اسوةٌ أخذت من هذه المادة ، ويقال لِلمصاب بمصيبةٍ : « لكَ بِفلانٍ اسوةٌ » . ولكنّ بعض أرباب اللّغة ، مثل : ابن فارس في « المقاييس » ، فصّل بين المعنيين ، فقال : « أنّ الأوّل ناقصٌ ( واوي ) ، والثّاني ناقصٌ ( يائي ) » ، وعلى كلّ حالٍ فإنّ القرآن المجيد ، حثّ المسلمين على مسألة : « الحُبُّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضُ فِي اللَّهِ » ، وجعل لهم إبراهيم عليه السلام قدوةً ، لأنّ إختيار القدوة الصّالحة لحركة الإنسان ، في خطّ التّقوى والإيمان ، له دورٌ عميقٌ في طهارة روح الإنسان ، وأفكاره وسلوكياته . وهذا هو ما يؤكّد عليه علماء والأخلاق ، في عمليّة السّير والسّلوك إلى اللَّه ، فإنّ إختيار القدوة يُعدّ أهمَّ خطوةٍ لحركة الإنسان في طريق الرّقي . « الآية الثانية » : إستمراراً لبحثنا الآنف الذّكر ، تتحدث عن إبراهيم عليه السلام وصحبه ، فتقول : « لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ » . وفرّق هذه الآية عن الّتي قبلها ، في أمرين : الأوّل : إنّ هذه الآية أكّدت على مسألة : « الحُبُّ في اللَّهِ وَالبُغْضُ في اللَّهِ » ، بأنّها من